كانت عذوبة ذلك النهار المعبق برائحة الندى تبعث الايمان و تنعش الفؤاد و تلقي الاوهان بعيدا…
خرجت متجهة الى ذلك الشاطئ القريب من بيتي لاستنشق بعض الهواء و ألحظ ولادة خيوط ذلك النهار…
فرأيت شاب من بعيد يجر وراءه مركبه الصغير..
لاحظت و عاينت ملا محه من بعيد… كان شابا ممشوقا طويل.. و ذات عينين حائرتين قويتين تمتلك من قسوة الايام و الجدية ما يكفي لتخفي وراءها الرقة و الحنان…..
بدا يقترب مني شيئا فشيئا… لكنني لم اعره اي اهتمام و التفت اشاهد شروق الشمس الذي يولد من الظلام….
اقترب مني و بدا يعرفني عن نفسه و حدثني عن هواه….
حدثني عن موطنه البعيد الذي لم يعد يستطيع ان يسكنه و عن رحليه عنه من زمن طويل و اختياره البحر مسكنا له ….
حدثني عن رحلة يبحر فيها بين امواج الوقت تحمل معها امطار صيفية تارة و شتوية تارة اخرى و رياح عاتية لا تجعله يرتاح او ينام…..
حدثني عن ايام في تلك الرحلة تكون اقرب الى الخيال بما فيها من نقاء ورخاء….
حدثني عن اوقات يمضي فيها في وسط البحر لا يفعل شيئا غير النظر في الافق و الانتظار….
حدثني عن ايام و اشهر تكون الوحدة هي الرفيق و الحبيب و تكون هواية الحياة…..
حدثني ان سبيله في تلك الرحلة الوصول الى تلك الجزيرة التي حدثه عنها ابيه في قديم الزمان….
تلك الجزيرة المنشودة التي يحلم بها أي إنسان… أن يعيش على ارضها و يستنشق هوائها التي يمكن ان تكون بدلا عن وطنه المفقود والذي نساه….
و لكن قال لي ان تلك الجزيرة لا ينفع ان يذهب اليها الا بمشاركة رفيق يرافقه على تلك السفينة التي تركب الأمواج….
و اعترف انه لم يحط على ذلك الشاطئ بمحض الصدفة… و إنما ليجد رفيق و شريك حياة يكمل معه رحلته….و يسكن معه في تلك الجزيرة الموعودة وراء البحار…
لانه لا بنفع ان يعيش عليها لوحده ويجب ان يكون هناك رفيقا و شريكا يشاركه الحياة….
فسالني ان كنت اوافق ان ابحر معه على مركبه و ان اكون رفيقته و شريكة الحياة…
صمت طويلا و حيرته بصمتي و لم اجبه…و مضى على صمتي وقتا لا باس فيه و ايام..
لكنني كاني لمحت انه بينه و بين نفسه فهم صمتي قبولا و موافقة واضحة و جلية كالنهار …
و كان من دون ان اقول شيئا بدا يعد للرحلة الطويلة التي سيقوم بها و كانه يعلم اني اريد تلك الرحلة و اتمناها
و أخذ يعد المركب لشخصين و شريكين ليس واحد سواء….
و جاءت اجابتي بوقت مفاجا و منتظر بنفس الوقت….
فقد كان يدرك قبولي.. بإجابات صامتة و نظراتي المتراقصة هنا و هناك…
ترجلت الى المركب الذي بدا انه غير سوي على امواج تتلاطمه يمنيا و شمالا…وودعت شاطئي الفارغ الذي بدا يبدو شاحبا لتركه و الرحيل عنه….
كان ذلك الشاب لديه شيء من الثقة ما يجعله يتقن ما يفعله و يظهره بمظهر الربان الماهر في معظم الاوقات…
بدأت الايام تمر علينا و نحن في تلك البحار و الامواج ….
يوم تشرق فيه الشمس و ايام اخرى تغيب عنا ….
كان لتلك الايام التي عشتها على ذلك المركب طعم اعذب سائغ لا ينسى…
كانت العذوبة التي اشرقت على ايامي لا توصف بسمات و ضحكات من القلب و بوح اسرار يتراءى مع ارقى الاوقات..اوقات تمضي كالسحر و كانها خارج الوجود و الايام ….
كان ذلك ذلك الشاب هو اغلى رفيق و حبيب و شريك بلا منازع….في كل يوم تتفتح عيوني عليه و تغلق و ارى فيه الاحلام….
ففي وسط تلك البحار لا يوجد احد غير بعضنا البعض رفيقين و شريكين نمرض معا و نتعافى معا ….
نساند بعضنا البعض و نتعاون في وجه تلك الامواج و الرياح التي تهب فجاة و تسحقنا في ذلك المركب الصغير…
و مضت تلك الايام و الاشهر و السنوات و نحن في وسط تلك البحار نحاول ان ننشد تلك الجزيرة المذكورة.
مررنا على شطاّان عديدة استسقينا منا طعامناا و قوتنا و التقينا فيها اناس كثيرين و تعرفنا على اصدقاء اخرين…
و لكن بدت تبدو لنا تلك الجزيرة التي المنشودة و كأنها سراب فكل ما سالنا عنها تكون الاجابات بعدم المعرفة و الحديث المبهم…
و لكن ذلك الشاب كان يملك من الامل و الايمان بانها موجودة… وانه يشتم رائحة هواءها و كانه يعيش عليها كانت ثقته بتلك الجزيرة عمياء…
و لكن في الحقيقة بعد كل تلك السنوات و الايام الضائعة و الفائتة بدت لي تلك الجزيرة سراب و في الضمن هو ايضا بدت لديه خيبة امل واضحة في عينه و لكنه لا يبوح بها و هنا بدات المح تلك الغربة التي ولدت بيننا…
تلك الغربة التي بدات تجود بافكار نكتمها عن بعضنا البعض
كلينا على نفس المركب بدونا عالغريبين لا نتكلم و لا نبوح باي كلمة لبضعنا و لا عن اسرارنا و لا عن اي شيء اخر فكنا اقرب غريبين عرفهم الزمان…
باتت نظراتنا لبعضنا البعض حائرة تائهة….. تخفي ورائها ضياع
كنت ادرك ذلك الامر جيدا و اعيه حقا لكنيي لم املك بيدي الحل و لا الجراة للكلام فقد عشت اجمل الايام على ذلك المركب كيف لي ان ابوح ما يجول في خاطري و ان تلك الجزيرة الموعودة بها بدت تبدو لي كالسراب….
فكرت في انني اذا تحدثت ساتغيب انا حتما في السراب فكيف لي ان استغني عن شركي و رفيقي و حبيبي في طريق… لا مكان فيه للعودة في وسط امواج و بحار ..ولا مفر منها هي امواج عاتية علي و عليه
كيف ساغيبه انا في سراب ذاكرتي و ايامي كيف لي ان افعل ذلك و انا الذي اخترت رحلة العمر و تلك المغامرة لان ثقتي و بعينيه كانت عمياء…
كنت قد فكرت في ان لا حل امامي الاالاستمرار…الاستمرار في رحلتي وامنت ان الامواج التي ستضربه ستربضني
و اننا معا في تلك المحن سوية و عدت اثبت قدماي على ذلك المركب و اثبت يقيني على الاستمرار و اصلح الغربة التي بدا تنشا بين عالمينا و بين عيوننا
و بدا التالف يعود الينا و تبددت تلك الغربة وتلاشت عن مركبنا الصغير المتلاطم على الشطاان…
و مرت ايام بدات ترسم الحنان لأعييننا …و رؤية تلاشي ذلك الشبح الذي ارتسم بين عيني و ذلك السراب….
و في يوم من الايام نزلنا على شاطئ من الشطاان لنتزوود قوتا و طعام لرحلتنا المستمرة و اكلنا طعام تلك البلاد
و شبعنا و تدفينا على نار اشعلناها في ذلك المساء.. و بعد ذلك غفونا قليلا بعد ما اثقلنا العشاء…
نمت نوما عميقا في تلك الليلة حلمت فيه بتلك الجزيرة المدعوة …حلمت باشجارها… و هوائها و بثمارها حلمت ببيتنا هناك مع رفيقي حلمت اننا قد دفناالامواج و السفر بين الرياح حلمت ان ذلك المركب قد وادناه على الرمال….
استيقظت و بدأت خيوط الشمس تطرق اأجفاني استيقظت… التمس حبيبي بقربي و لكني كنت قد تلمست الفراغ …
وقفت فازعة و قد لمحت مركبنا هناك… رايته قد ابحر في الغياب… رايت المركب قد ابحر بعيدا و هو عليه وواكب الرياح …
تلمست اغراضي فرايت بعض الطعام و الشراب و قارورة شراب فارغة فيها ورقة ملفوفة في القاع….
مسكت تلك الزجاجة و بقوة كسرتها بجزع الشجرة بعد ان كنت قد صرخت في الفضاء صرخت له عد الي و لما تركتني هنا وراءك و في الماضي و الوحدة هناك….
كانت الزجاجة قد تحطمت في يدي و الزجاج انغرس في كفيي و امتلات بالدماء…
شققت قطعة قماش من ذلك الحرام الذي غطانا سوية و لففتها…
جلست هناك على ذلك الجزع دموعي تملا وجهي حتى ظننت نفسي اني لم اعد ارى من الدموع و من كثرة البكاء
بعدها غفوت في نوم عميق صحوت في اليوم التالي على نفس خيوط الشمس تلك
فتحت عيوني لم المح الا غباشة بعيدة و لمحت تلك الورقة البيضاء ..رايت الرسالة في اسفل الزجاجة اخدتها و قراتها و كان فيها الجواب….
مسكتها و عرفت انها لم تكتب الامس …عرفت انها كتبت من زمن لا باس فيه و من فترات
قرات فيها اعذار تألم و لم اقرا فيها مبررات…
قرات فيها اعتذارات عن وعود و خيالات…
قرات فيها احزان و دموع و اوجاع….
قرات فيها احلام لغد و مستقبل جمييل و غد واقعي قادم و احلام ستتحول لواقع و لن تعود للجماد…
قرات فيها عن ازمان فراق وحنين للوحدة و الحياة الفردية و العودة للوراء…
قرات فيها وعد و يقين بتلك الجزيرة التي سيعود في يوم من الايام يحملني اليها دون اي تردد او تاخر او انتظار…..
بقلم نادين الهبل




تعليق واحد
تلقيمات التعليقات لهذا المقال
2011/05/16 في 9:02 م
norma
نااااااااااااادو الله يسلم ايديكي كتييييييييييييييير حلوووووووووة
حسيت حالي عشت الحلم